محمد بن جعفر الكتاني

133

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وكان لا يبصق إلا في ثيابه ، ولا يرمي ببصاقه إلى الأرض أصلا ، ويقول : « لا أطرح في الأرض ريقا يجري مع ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ! » . وكان من أصحاب الخطوة ؛ لا يصلي صلاة إلا بمكة أو المدينة . أخبر بذلك عن نفسه في حكاية له ؛ فكان - لأجل ذلك - لا يراه أحد بفاس يصلي في مسجد من مساجدها أبدا . حتى الجمعة . فصار ذلك في ظاهر [ 107 ] الأمر ملامة . وكان متجردا غير متأهل ؛ لا زوجة له ولا ولد . ويسكن ببيت في الفندق المقابل لباب جامع القرويين ؛ الذي فوق الباب المسمى بباب سيدي عبد القادر الجيلاني ، وبه هذا الفندق اليوم يدعى ؛ فيقال له : فندق سيدي عبد المجيد . ولم يكن له شيخ ، وإنما مدده من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وأخذه عنه من غير واسطة . وقيل له يوما : « من أين اعترتك هذه الأحوال ؟ ! » . فقال : « واللّه ما لأحد علي منة إلا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ سقاني كأسا مغدرة - أي : مملوءة - فشربت حتى رويت ، وما بقي صببته على رأسي وبدني » . يعني : أنه أخذ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم بلا واسطة . واتفق له في ذلك ما اتفق لغير واحد من الأكابر ؛ كالشيخ عبد الرحيم القناوي ، والشيخ مكين الدين الأسمر . . . وأمثالهما . وصاروا في حصول هذا المدد كالصحابة رضوان اللّه عليهم وإن تأخر زمنهم . وناهيك بهذا شرفا وفضلا . وكان له أصحاب وأتباع يلوذون به ، ويخدمونه ويأتونه - هم ومن عداهم - بالطعام مطبوخا إلى موضعه ، كلهم يتمنى أن يقبله منه ليأكله . . . وله كرامات لا تحصى ، ومآثر عديدة لا تستقصى ؛ منها : أن الفقيه القاضي أبا محمد عبد الواحد بن أحمد الحميدي مر يوما بجامع القرويين بإزاء صومعتها ؛ فوجده جالسا هناك . فقال زاجرا له : « قم يا بغل ؛ الناس كلهم يصلون وأنت لا تصلي والناس يتبعونك ! » . فنظر رضي اللّه عنه إليه وقال له : « أنت معزول ! » . فبعد ذلك بيوم أو يومين جاء كتاب السلطان أبي العباس المنصور من مراكش بعزله ؛ أرسل به مع راكب الجمل المهري المعد عنده للإرسال فيما يريد قضاءه فورا . وكان ذلك الجمل - فيما قيل - عشريا ؛ يقطع عشرة أيام في يوم واحد . فتحقق القاضي المذكور أنه : إنما أتى من قبل صاحب الترجمة ، فتربص حتى كان وقت ما بين المغرب والعشاء من اليوم الذي عزل فيه ، وأتى هو وأولاد له صغار قدمهم شفعاء إليه ، وطلب منه الصفح عنه ؛ فسامحه وقال له : « أنت مردود ! » . فبقرب ذلك جاء كتاب آخر من عند السلطان المذكور مع راكب الجمل المهري - أيضا - بتوليته ورده إلى خطته .